مباني بيروت التراثية أو ما تبقى منها تصرخ بصوت عال: "أنقذوني!!"، علّها تلقى آذاناً صاغية فتفلح بإنقاذ القليل القليل من أبنية تحمل ملامح تاريخ وتراث وهوية شعب ووطن. تشهد بيروت اليوم ظاهرة هدم المباني التراثية، هذه الظاهرة القديمة الجديدة تعود إلى الواجهة مع حملة تدمير تعيث خراباً بمنازل ومبان قديمة في مناطق عدة من بيروت. وآخر محاولة لإيقاف هذه الظاهرة كان مشروع قانون تقدمت به وزارة الثقافة لحماية الأبنية التراثية. بعدها وافق عليه مجلس الوزراء، ثم أحاله إلى المجلس النيابي بانتظار مناقشته من قبل اللجان النيابية. وفي انتظار أن يصبح هذا القانون ساري المفعول، تشهد مناطق عدة من بيروت حملة تدمير واسعة النطاق تشمل كل من عين المريسة والجميزة والصيفي وغيرها.
وللاستفسار اتصلت "حبر" بعضو جمعية APSAD المهندسة منى حلاق التي تابعت هذا الملف عن كثب، فأكدت أنّ هذه المشكلة قديمة وأن لا إحصاء دقيق لعدد المباني المهدمة، موضحة "أنّ APSAD قامت بدراسة عام 1997 عن هذا الموضوع تركزت على فكرة تصنيف المناطق بتجمعات تراثية أو منطقة ذات طابع تراثي وهي المحيطة بالوسط التجاري. فقسمت إلى 4 مناطق وهي: الجميزة سرسق، الأشرفية مار نقولا، زقاق البلاط الباشورة، وعين المريسة القنطاري. وتجدر الإشارة إلى أنّها الدراسة الجدية الوحيدة التي أنجزت حتى الآن، وقد قام بها مهندسون في جمعية APSAD، بطلب من التنظيم المدني بناءً على توصية الحكومة. وبناءً عليه أوصت الدراسة المحافظة على 520 مبنى علماً بأنّ هذا العدد يشكل أقل من 2,5% من مجموع المباني التراثية في بيروت. وقد وافق التنظيم المدني عليها بالإجماع، وتقرر أن توضع هذه المناطق تحت المراقبة تمهيداً لوضع خطة تكفل المحافظة عليها. وبعدها، أحيلت الدراسة على مجلس الوزراء وللأسف كانت وجهتها النهائية أدراج المجلس.
وتضيف حلاق: "لأسباب متعددة وغريبة، طلب مجلس الوزراء بعد شهر من مجلس الإنماء والإعمار إعادة الدراسة. علماً أنّ مجلس الإنماء والإعمار لا خبرات كافية لديه تؤهله إنجاز هكذا دراسات. لذا قام المجلس بتلزيمها لشركة "خطيب وعلمي" التي قامت بدراسة نسفت مبدأ التجمعات التراثية التي اعتمدته دراسة APSAD، واستبدلته بمبدأ المباني المنفردة إذ تم تصنيف المباني إلى خمس فئات موصيةً بالمحافظة فقط على 209 من الأبنية من مجمل 520."
وعن إقرار مشروع قانون "المحافظة على الأبنية التراثية" وإحالته على مجلس النواب اعتبرت حلاق "أنّ الموافقة على هذا القانون تعتبر خطوة على طريق الحل"، موضحة أنه حتى اليوم لا قانون واضح يحمي هذه المباني. وأنّ آخر قانون يلحظ التراث الهندسي هو قانون يعود إلى عام 1933 علماً أنّه لا يفيد بشيء". وأضافت "إنّ جمعية APSAD تنتظر تشكيل الحكومة لمتابعة هذا الموضوع مع وزير الثقافة الجديد."
ورداً على سؤال عن دور بلدية بيروت في هذه القضية تجيب حلاق "لا آليات ولا جسم رسمي موكل إيقاف أعمال الهدم، وكل ما فعلته بلدية بيروت هو وضع لافتات تحمل عبارة "منطقة ذات طابع تراثي". وهذا دليل على غياب الإهتمام الكامل. ففي منطقة الجميزة مثلاً، وهي مصنفة ضمن المناطق ذات الطابع التراثي، أوقفنا مشروع بناء ثمانية أبراج لمدة سنة ولكننا لم نفلح بإيقافه نهائياً، وبعدها إستكمل بناء المشروع بشكل طبيعي بعد أن أعطي الإذن اللازم."
مشكلة أصحاب المباني:
وبالنسبة إلى مشكلة أصحاب المباني، رأت حلاق أنّ "هناك نوعان: النوع الأول يضم الأغنياء. وهؤلاء هم قلة، يحافظون على مبانيهم التراثية لأنّه يريدون الـ"prestige"، حسب تعبيرها مثل قصر سرسق وقصر الداعوق.. أمّا المشكلة فتكمن بالنوع الثاني، الذي يضم إمّا عدّة أشخاص يملكون بيتاً واحداً وهم بحاجة إلى دفع "ضريبة الإنتقال" المرتفعة لحصر ملكية هذا البيت فيفضل أصحابه هدمه. وإمّا أصحاب المنازل المستأجرة والتي تخضع لقانون الإيجارات القديم، إذ لا يمكن لصاحب البيت صرف المستأجر إلاً في حالة هدم المنزل. لذلك يفضل أصحابها هدمها على أن يبقى المستأجر مقيماً فيها لقاء مبلغ زهيد من المال." وتختم بالقول: "القيمة التراثية لهذه الأبنية تفوق قيمتها المادية، والمشكلة لا تكمن في هدم هذه الأبنية بل بما ستستبدل به".
ويبقى الحل أخيراً بيد مجلس النواب الذي عليه الموافقة على قانون "حماية المباني الأثرية"، نظراً لكونه الضمانة الوحيدة للمحافظة على هوية بيروت التراثية قبل أن تفقد بالكامل طابعها المعماري التراثي وحينها لا ينفع الندم.