قرر هادي زكاك مخرج الوثائقي "درسٌ في التاريخ" أن يلقّن درساً مهماً للمواطن اللبناني ولو أتى ذلك متأخراً عشرين سنة. فالمشكلة التي كانت السبب وراء هذا التأخير، ليست إخراجية أو تقنية بل تخطت كل المعايير العقلية والعقلانية فوقفت الطوائف والزعامات متراساً حصيناً حال حتى يومنا هذا دون إصدار كتاب تاريخ مدرسي موحد للبنان.
بدأ مشروع زكاك عام 2008 وبدأ معه البحث الدقيق عن المعطيات التي حالت دون تنفيذ كتاب تاريخ موحّد بالرغم من وعود الوزارات المتعاقبة السابقة بذلك. وبالتالي كانت تُشكّل اللجان المختصة تناقش وتتجادل لسنوات في الأحداث والمعطيات التاريخية والحصيلة: لا كتاب!.
تنتشر في الأسواق اللبنانية 20 سلسلة مدرسية لكتب التاريخ التي تختلف بمضمونها فبين "الوافي بالتاريخ" و"التاريخ العلمي" وغيرهما من الكتب، ضاعت البوصلة، وجعلت من التلميذ متلقٍ سلبي للمعلومة التاريخية يكتفي بحفظها ويترسخ في ذهنه ما يسمع من آراء الأهل والمحيط عن هذا الحدث أو هذه الشخصية. ففخر الدين المعني الثاني يُصور في بعض الكتب "على أنّه عميل أجنبي، وحظي بعلاقات مشبوهة بتوسكانا..." أما في كتبٍ أخرى فصوّر عكس ذلك.
يعتقد زكاك أن المشكلة ليست أساساً في كتاب أو آخر بل هي في طريقة التلقين والشرح في الصف فلا يمكن التعامل مع كتاب التاريخ على أنه كامل أو منزل، بل يجب أن يكون مطروحاً للنقاش والبحث والتحليل. أضف إلى ذلك غياب الدور الشخصي للطالب بالإضافة إلى منهاج رتيب يفتقد إلى سرعة التطور التي يملكها الطالب من قدرة على الحصول على المعلومة السريعة من عدة مصادر. ما يبعده تدريجياً عن تحقيق كفايات علمية تساهم بتكوين الفكر النقدي لديه. لقد تعامل زكاك في عمله مع خمس مدارس (مدارس الإمام - الجماعة الإسلامية، مدرسة سيدة الجمهور – كاثوليكية، المدرسة الإنجيلية، المدرسة الألمانية، مدارس المبرات الخيرية). إنتقى من أصل 100 طالب، 15 فقط مع التركيز على خمسة منهم. أبرز هؤلاء، مجد، الطالب "العلماني الوحيد الذي استطاع أن يلقي النشيد الوطني كاملاً" فحمّله زكاك هموم الوطن العلماني ـ الحلم ورأى فيه "ulter ego" له. لاقى الوثائقي إستحساناً كبيراً لدى الجمهورعلى الرغم من الضغوطات التي مارستها إحدى المدارس الخمس على المخرج الشاب.
تاريخ معاصر... من سابع المستحيلات!
هناك إستحالة برأي زكاك أن نكتب المرحلة المعاصرة لتاريخنا والسبب واضح فهو يكمن بوجود أبطال الماضي على كراسي الحاضر. فكتابة التاريخ تستوجب بالأساس معياراً علمياً لرواية الأحداث لتكون بمنأى عن الصراعات الآنيّة. وهذه المعايير العلمية في سرد الأحداث إن وجدت تكون المفصل أو الغربال للطالب كي يفرّق بين المعلومة التي يتلقاها الطالب في الصف والمعلومة التي يأخذها من البيت. ومن اللافت بالنسبة لزكاك بحسب مشاهداته أثناء تصوير الوثائقي أن المنزل وبالتحديد الأب هو الأساس في بناء ثقافة الطلاب التاريخية . بالتالي هؤلاء الآباء الذين عاصروا أو شاركوا في الحرب الأهلية هم مصدر المعلومات الأول في بناء هذا الوعي.
على الرغم من تعميم المناهج الجديدية على جميع المدارس على الأراضي اللبنانية، وفضلاً عن تدريب الأساتذة على المنهاج الجديد، إلا أن طريقة تدريس التاريخ ما زالت تقتصر على التلقين والحفظ.
رامي 16 عاماً (وهو طالب ثانوي في سنته الأولى)
يقول "ما بحياتا كانت ساعة التاريخ حصة للتحليل والنقد، كل القصة إنو منحمل المسطرة والقلم تنسطر اللي بدنا نحفظن للإمتحان وإذا صارت ساعة التاريخ بدا كثير درس وأبحاث، فهيدا حياخد من أوقات درسنا للمواد التانية". يضيف رامي " أنا كل تركيزي على الرياضيات لأنو بدي أعمل ماتيلام ومادة التاريخ هي شي مننساه مع الوقت". عبر رامي عن إستيائه من أي تغيير قد يحصل في مادة التاريخ فهو غير مستعد للدراسة أكثر لهذه المادة طالما أنها لا تؤثر كثيراً في إرتفاع أو إنخفاض المعدل العام للعلامات.
التاريخ في عهدة السياسيين
"أمام هذا الواقع يفرض على التلاميذ أن يتقبلوا آراء مدرس مادة التاريخ، وأخطاء الكتب المدرسية، ومغالطات القصص التاريخية وبعض المؤلفات الطائفية والمذهبية التي تفتقر إلى الدقة العلمية"، يقول الدكتور برهان الدين الخطيب مستشار وزير التربية. ويشير إلى أن عدداً من الكتب يعتمد على الكثير من الخيال، ولا يستند الى المراجع والوثائق التاريخية المعروفة والموثّقة.
ويلفت الخطيب إلى أنه ليس هناك عرقلة ولكن لكل طرف سياسي وطائفي في لبنان وجهة نظر مختلفة عن الطرف الآخر، وقد أدرك وزير التربية والتعليم العالي د. حسن منيمنة هذا الامر، لذلك شكل لجنة لكتابة التاريخ الموحّد برئاسته ضمت غالبية الأطراف السياسية ومؤرّخين وأخصائيين في هذا المجال، إضافة إلى مؤرّخين وأكاديميين إلاّ أنها لاقت واجهت الكثير من الإنتقادات.
يرى د. منيمنة، وهو المتخصص في مادة التاريخ، "أن كتاب التاريخ الموحّد عاد ليبحث وسيسرد الأحداث من دون توصيفات سياسية كما سيحظى بموافقة جميع الأفرقاء السياسيين"، لافتاً إلى أن ذلك لن يكون لا على حساب الحقائق التاريخية ولا المنهاج العلمي لصياغة الكتاب".
وكتاب التاريخ الموحّد الذي تسعى الوزارة لإعداده، يجمع كل اللبنانيين ويتوافقون على مضمونه، خصوصاً ان جميعهم يطلبون وجود كتاب التاريخ الموحّد باعتباره ليس مجرد كتاب للمعرفة التاريخية بل هو عنصر تكوين شخصية التلميذ اللبناني، وتحميله مضامين العيش المشترك والتجربة التاريخية التي يجب أن يستفاد منها في بناء تاريخنا الحديث والمستقبلي.
وكذلك فالوزارة لا تسعى فقط من خلال ذلك الكتاب إلى تسليط الضوء على الوقائع السياسية بل تتجه أكثر إلى التركيز على الوقائع الاقتصادية والاجتماعية اللبنانية، وإلى دراسة تاريخ لبنان كجزء من تاريخ العالم العربي.
انتهت اللجنة من وضع المنهاج حتى صف "البريفيه" (الشهادة المتوسطة) ورفعته اللجنة المكلفة (غير وحدة؟) بذلك الى مجلس الوزراء. "سنتمكن في القريب العاجل، رغم ما يعترض هذا الامر من صعوبات، أن نضع كتاب تاريخ للبنان موحداً، يتحدث لأول مرة عن تاريخ لبنان لغاية يومنا هذا وهذا الأمر بحد ذاته إنجاز كبير. يضيف الوزير منيمنة "يكفينا التوهّم أننا قادرون على تخبئة شيء عن الناس أو حتى عن الشباب والأطفال".
وهذا لا ينكر وجود عناوين خلافية كثيرة، إضافة إلى العديد من التصنيفات التي تحملها الشخصيات التي لعبت دوراً في تاريخ لبنان، فرؤية أسباب النزاعات في تاريخ لبنان وخلفياتها تحمل تفسيرات متعدّدة.
ختم د. خطيب قوله " قد يكون التباين بين اللبنانيين حول كتابة تاريخ موحّد يعود لاختلافهم حول مستقبل بلادهم، والمشكلة في ان كتابة التاريخ تعود إلى واقع التعددية بالطوائف والمذاهب والأحزاب اللبنانية."
المعضلة تكمن بين إمكانية الإتفاق على التاريخ لبناء مستقبل أو الإتفاق على مستقبل لكتابة التاريخ.
تكتب الأردن تاريخ فلسطين...
سيوزّع كتاب التاريخ الصادر عن الأونروا في شهر 12 المقبل أواخر هذه السنة كما قال سعيد حجير الأستاذ المتقاعد من مدارس الأونروا ، وذلك بعد أن يتم الإنتهاء من تحضيره على يد الخبراء في عمّان الأردن. يُحضر هذا الكتاب لثلاثة صفوف مدرسية الأول، الثاني والثالث إبتدائي. إن الهدف من هذا الكتاب من وجهة نظر حجير هي " دراسة تاريخ لبنان من دون التطرق إلى النعرات السياسية والطائفية وفي نفس الوقت سيكون هناك محاور عن فلسطين"، مما يمكّن الطالب الفلسطيني من معرفة تاريخ البلدين.
في السنوات السابقة كانت مدارس الأونروا تُخصص لطلابها ساعة واحدة كل أسبوعين أو ثلاثة للشرح عن فلسطين مع العلم أنها تدرس مادة التاريخ مستعينة بكتب لبنانية من السلسلات المتواجدة في المكتبات. هذا يعني أن الدرس المدرج عن الأرض المحتلة هو ليس ضمن المنهاج بل هو مجهود شخصي يقوم به أستاذ التاريخ بالتنسيق مع الإدارة فيعطي الطلاب مهام صغيرة للبحث إن كان عن فلسطين الحدود، عن جغرافية الأرض أو عن شخصيات تاريخية كصلاح الدين الأيوبي. أخيراً ذكر حجير أن هذه الخطوة، بتحضير كتاب تاريخ خاص بمدارس الأونروا، ستكون أساسية لبناء وعي وثقافة لبنانية - فلسطينية لدى طلاب الأونروا على أمل أن تعمم على كافة الصفوف والمراحل.