إن كانت كلفة الإزدحام في العام 1997 قد فاقت ملياري دولار سنوياً، أي ما يعادل 10% من الناتج القومي اللبناني فما يمكن أن تكون كلفة الإزدحام في العام 2011؟ تشير أرقام وزارة الأشغال العامة والنقل (مديرية النقل البري والبحري) لعام 2008 أنّ هناك حوالي 39000 مركبة عمومية. وبحسب تحليل قامت به "Team International" الشركة الإستشارية للهندسة والإدارة، هناك 33000 سيارة أجرة (8 ركاب أو أقل)، و4000 فان (9 إلى 25 راكب) و2000 باص. بالتالي تحظى سيارات الأجرة بـ6,70% من مجموع توزيع إستعمال المركبات، فيما تحظى الفانات بـ11% والباصات 1,70% أما النسبة الكاسحة فتعود إلى السيارات الخاصة بنسبة 80,60% من توزيع إستعمال المركبات.
بعيداً من الإحصاءات والتحليلات، يعيش المواطن اللبناني شاء أم أبى الصورة النمطية التي يلصقها به الأجنبي أو صديقه العربي. فهو الذي يملك في بيته عدداً من السيارات يفوق عدد أفراد المنزل بمن فيهم رضيعه الأول... يحب البذخ والكيف ولا يعرف أو يعترف بالفقر. لا يفهم الأجنبي ولا الصديق العربي بأن "باصات النقل العام في لبنان لم يبقَ لها الكثير قبل وضعها في المتحف الوطني"، هكذا عبّرت فاطمة (26 عاماً) عن استيائها من هذه الوسيلة تحديداً التي بحسب رأيها تختبر صبر الراكب وقدرته على التحمل. وتقترح أن يصبح الباص للكبار في السن فقط أي ما فوق سن التقاعد لأنه من شبه المستحيل أن تصل إلى عملك أو موعدك أو جامعتك في الوقت المحدد.
يملك نديم (22 عاماً) وهو طالب جامعي سيارته الخاصة إلا أنه يملك هواية غريبة بعض الشيء. فهو يهوى الذهاب إلى الجامعة مع "عمو السرفيس" كما يسمّيه. يترك سيارته قرب المنزل ويذهب يومياً بالـ"سرفيس" إلى الجامعة. "أنا أحب قصص عمو السرفيس، فكل يوم أركب مع سائق جديد يحكي قصة جديدة " على الرغم من ملاحظته أن بعض القصص تتشابه لتشابه المعاناة.
فقد اللبناني الأمل بقطاع النقل وفضل دفع مبالغ طائلة لإقتناء سيارته الخاصة وتحمل أعباء الفوائد المصرفية المتراكمة مع كل دفعة من أقساط السيارة.
تعود أسباب تقهقر هذا القطاع إلى عدم إعتماد منهجيات "تقليدية" (بديهية) لتحسين النقل كزيادة الطاقة الإستيعابية للطرق ومواقف السيارات أو زيادة التعرفة على المواقف الموجودة على جانبي الطريق كمحاولة لتغيير سلوك المواطن ليستعيض عن سيارته الخاصة بإستخدام إحدى وسائل النقل العام.
إضافةً إلى عجز الدولة عن تنفيذ رؤية جدية في إعادة بناء وتطوير قطاع النقل العام دعماً لقطاعي الخدمات والسياحة وسوء حالة شبكة الطرقات (ثلث الطرقات اللبنانية بحالة سيئة) تزداد سوءاً مع غياب الصيانة مما يرفع من كلفة إصلاح الأضرار. وبالتالي لا توجد أرضية صلبة لتنظيم خدمات النقل العام التي لا تحظى حتى اليوم بثقة الناس ولا تستقطب الركاب كبديل عن إستعمال السيارات الخاصة.
تقول ياسمين مهدي وهي "مهندسة نقل مختصة" ان هناك تحديات مالية وتنظيمية يواجهها قطاع النقل البري، منها تشتت المسؤولية بين إدارات مختلفة، وضعف عمليات التخطيط للقطاع، بالإضافة إلى غياب السياسات والإستراتيجيات الآنية والبعيدة المدى وعدم توفر سياسة واضحة ومتكافئة لتسعير خدمات النقل مع تعثر مالي وربحية غير مضمونة وإرتفاع في مستويات الإزدحام الخانق.

وأشارت مهدي، إلى أن هناك عاهات كثيرة تشل قطاع النقل منها الفوضى العارمة وغياب الأنظمة والتخطيط ومفهوم النقل العام الجماعي الكفوء. كما أن نظام النقل العام الحالي يشوبه مستوى إشغال متواضع وعوائد مالية ضعيفة وممارسات خطرة من قبل السائقين وتوقف متكرر وغير منظم، وعدم تطبيق الأنظمة الخاصة بالسلامة وإهمال صيانة المركبات والتأمين. أما بالنسبة إلى الحلول فهي متوفرة دون أن يُعمل بها، إذ تظافرت جهود بعض المؤسسات الخاصة (IBI Group, Team International, SETS) لإعداد دراسة بتمويل من البنك الدولي تحت عنوان "إعادة تأهيل النقل العام للركاب ونقل البضائع"، إقترحت فيها أن تفتح الدولة اللبنانية المجال أمام الشركات الخاصة لتدخل في مناقصة، حيث تستلم الشركات التي تقدم أفضل العروض من حيث السعر ونوعية خدمة قطاع النقل تحت مراقبة الدولة.
من جهة أخرى، تؤكد مديرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في (Global Road Safety Partnership)GRSP سمر أبو رعد أن وسائل النقل العامة خصوصاً الباصات منها تؤمن عموماً نسب أمان أعلى للراكب بما أن ذلك يساهم في تخفيف نسبة السيارات على الطرقات وبالتالي تخفيف خطر حوادث السير.
ويمكن تفعيل دور وسائل النقل العام في لبنان بطريقة أفضل عبر وضع خطط للتنظيم المدني السليم وإرفاقها بقوانين صارمة (كتعليمات الإلتزام بالسرعة المطلوبة خاصة في الشوارع الضيقة والتقاطعات). كما يمكن إنشاء ممرات جديدة للدراجات والمشاة والباصات والتشدد في تطبيق القوانين المتعلقة بها من قبل الشرطة. وعلى البلديات أيضاً أن تلعب دورها في تنظيم السير ووسائل النقل العامة ويجب أخيراً تخصيص الأماكن لتوقف الباص وتعزيز دور المبادرة الفردية لبعض شركات النقل الخاصة على أن تتسم بأسعار معقولة للجميع مراعية قدرة جميع شرائح المجتمع.
BOX
شبكة الطرق
يقدر مجمل طول شبكة الطرق اللبنانية بحوالي 22 ألف كيلومتر ، 6300 كيلومتر منها مصنف:
حوالي 525 كيلومتر من الطرق الدولية
حوالي 1650 كيلومتر من الطرق الرئيسية
حوالي 1380 كيلومتر من الطرق الثانوية
حوالي 2810 كيلومتر من الطرق المحلية
(وزارة الأشغال العامة والنقل)
BOX
المركبات
عدد المركبات المسجلة في لبنان- لتاريخ 21\10\2010 بحسب هيئة إدارة السير والمركبات- وزارة الداخلية:
1,44 مليون مركبة (1,2 مليون مركبة في العام 2005)
السيارات الخاصة تصل نسبتها إلى 87%
يزيد عمر 60% من المركبات عن 13 عاما
تفتقر معظم المركبات إلى الصيانة
نسبة مرتفعة من المركبات الحديثة هي المركبات رباعية الدفع (4*4)
Post new comment