ان التنقل بين المناطق والبلدان وفق الشروط المطلوبة هو حق قانوني بديهي منحته الدول لمواطنيها في القوانين والدساتير. فالانتقال من منطقة إلى أخرى ومن حي إلى حي، او من بلد الى بلد ينبع من رغبة لدى الإنسان في التمتع بالحرية التي أعطته إياها الطبيعة ونظمها القانون. لكن هذه الرغبة وهذا الحق لهما ما يكبحهما في بعض البلدان العربية في ظل أوضاع أمنية فرضت فرزاًًً "ديمغرفياً" على أساس الدين والمذهب والطائفة.
وصلت أكثرية بلدان العالم المتطور إلى استقرار اقتصادي واجتماعي فأمني أمنّت من خلاله تعايشاَ بين أطياف المجتمع يحول دون عوائق التلاقي والاحتكاك. وهذا تماهى بالطبع مع إزالة الحدود بين الدول وسرعة الاتصال والمواصلات بفعل العولمة والتطور التكنولوجي. لكن المفارقة ان ما وصل له العالم لم يصل الى بلداننا التي تعيش تحت وطأة المآسي الاجتماعية والاهتزاز الأمني، ففصل الأخ عن أخيه والزوج عن زوجته، وانقسمت المناطق بين شيعة وسنة ومسيحيين ومسلمين وعلت جدارات الفصل الطائفي في فضائنا رغم ان تكبيرالمآذن يعلو في تلك الاحياء مع أجراس الكنائس. هذا ما نجده مثلاً في العراق حيث ان عدداً من الأحياء في بغداد فصلت عن بعضها، فالحي السني فصل عن الشيعي بعد أن كانت تلك المناطق تتعايش مع بعضها وكان الهدف من ذلك "حماية المناطق من الميليشيات". ما يفهم من ذلك ان السني يجب أن يخاف من الشيعي والعكس صحيح فهما يشكلان خطراً على بعضهما، وهوية الفرد الطائفية هي جواز مرور لمن يريد أن يقطن تلك المناطق ذات الصبغة المذهبية الواحدة. وأصبحت المناطق ترمز للانتماء المذهبي فالأعظمية السنية سورّت بجدار اسمنتي وفصلت عن الأحياء الشيعية، ومدينة الصدر التي تتميز بالغالبية الشيعية لا يجرؤ سني على تخطي عتبتها.
وفي ضوء هذه الأوضاع يقول أحمد شاب عراقي يعيش في لبنان: "هجرت من المنطقة التي عشت فيها لسنوات خوفا من التهديدات، فابتعدت عن اصدقائي الذين تربيت معهم". ويصف هذه التجربة بأنها صعبة وستؤثر على الاجيال الجديدة التي لن تتعرف على شركائها في الوطن. ويردف: " أغلقت معظم المقاهي التي يرتادها الشباب من الاحياء المختلفة، حيث كنا نجلس ونقرأ الشعر ونتداول التحليلات السياسية، في حلقات ثقافية لا مثيل لها تعبر جرح الوطن وتتخطى الاختلافات، ولكن مع دخول الجيش الأميركي للعراق وانتشار الرعب والدمار، منا من هجر الى بلدان أخرى ومنا من نزح الى منطقة أخرى في ظل سياسة فرق تسد التي اعتمدها الاحتلال، لأن الشعب العراقي لم يعرف يوماً الاقتتال الداخلي".
لا يختلف الوضع كثيراً في لبنان، فبعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها بين الطوائف المختلفة وداخل الطائفة ذاتها، تكرس الانقسام في ظل الفرز الديمغرافي الطائفي بين المناطق حتى كاد بعضها يكون شبه مطهر مذهبياً، فالجدار هنا وهمي لا لون له ولا اسم ولا رسوم تحسن صورته بين منطقة مسلمة وأخرى مسيحية شيعية وأخرى سنية. فالخوف من الآخر يعتريان من يتعدى منطقته الأمنية أو الثقافية إلى أخرى مختلفة حتى أن البعض يشعر انه في بلد آخر. فكل طائفة تسقط ثقافتها في الحيز الجغرافي التي تسيطر عليه حتى إذا ذكر اسم منطقة ما فإن تبادرت فوراً إلى بالنا هويتها الدينية. فعين الرمانة مرادفة للمسيحيين والضاحية مرادفة للشيعة وطريق الجديدة للسنة. رغم ان شباب هذه المناطق يعملون سوياً ويعيشون الظروف والهواجس والآمال ذاتها، ويلتقون في الجامعات حيث يمارسون نشاطاتهم بشكل جماعي أحياناً، ولكن عندما يبدأ الحديث عن السياسة والدين والزواج يتمترس كل منهم في توقعه المذهبي والدفاع عن المصالح الضيقة. فالعقلية الطائفية ما زالت مسيطرة على الشباب اللبناني الذي به سيُبنى الوطن، والمستقبل..
ان الجدران النفسية بين المناطق كرستها السياسة والنظام والطائفي وانجر بها الشباب وأجبر عليها. وبالرغم من انتهاء الحرب وانتشار السلام النسبي وتعديل الدستور والمشاركة السياسية التوافقية إلاّ ان الهواجس دعمتها الحواجز النفسية. يقول عدنان في هذا الصدد وهو شاب لبناني من الطائفة المسيحية: "الشياح منطقة مغلقة أمنياً، لا يجرؤ أحد من شباب عين الرمانة على الدخول اليها وعندما أمر من الضاحية لأصل إلى الجامعة أحس اني في بلد آخر".
غالباً ما تندرج المجموعات المتشابهة في إطار خاص بها، تبتعد عن غيرها من المجموعات الاخرى المتناقضة، خاصة عند شعورها بغبن اجتماعي وسياسي أو ثقافي مثل المجموعات الدينية والقومية وغيرها التي ترى في الدفاع عن وجودها، بصفتها هذه، نوعاً من الدفاع عن النفس في وجه الاكثرية او الاقلية المسيطرة. لكن عندما يتحول الفرز الطائفي لشعب ما ضمن خطة لحفظ امن المناطق كما في العراق مثلاًً، هذا لا شك يؤسس لمجتمع منقسم على نفسه وينشئ جيلاً طائفياً لا يتقبل الآخر ويعزز التقاتل ويمنع الانفتاح. وسيطرة هذه الأنماط التقليدية من التجمعات ستأتي على حساب المواطن لمصلحة المجتمع الطائفي والمصالح الخاصة. والشباب في كل المجتمعات الانسانية هم بصفتهم الدعامة لبناء ونهضة الاوطان وبمشاركتهم في التطور العلمي والثقافي، لا بد من أن يعملوا بأنفسهم على كسر الحواجز بينهم. وفي عالم سريع التطور لا يحتمل مجتمعنا هذا الفصل الاجتماعي والطائفي بين ابناءه والالتهاء بهموم لا تتماشى مع حاجتنا. ومن إحدى مهام الدولة توفير الأمن والاستقرار والاندماج بين سائر أطياف المجتمع ثقافياً ومناطقياً ومحو الآثار النفسية للجدران العنصرية على اعتبار أن "أرض لبنان واحدة لكل اللبنانيين فلكل المواطن الحق بالاقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون. فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين" هذا بحسب الفقرة "و" من مقدمة الدستور اللبناني.
Post new comment