أعترف أنني لم أمتلك يوماً الجرأة أن أسأل صديقي كم من الأبرياء أسقطت بندقيته في الحرب الماضية..
قد يكون نسي هو الآخر كم من قتيل أردى وكم من جنازة حضّر.. وكم من والدة أفقدها أملها باحتضان ابنها الذي سرقته ميليشيات الكيانات الوهمية ..
كيف كان ليكون شعور صديقي لو جمعته الصدفة مع إحدى تلك الأمهات؟
ماذا كان سيجيب عن سؤالها عن أولاده؟ هل كان سيقوى على القول.. "بخير الحمدالله"؟
إن كانوا أولاده "بخير الحمدلله" فما ذنب أولادها لئلا يكونوا ايضاً "بخير.. والحمدلله"؟
كل ما أعرفه عن ماضي صديقي هو أنه شارك في اغتيال الوطن.. الحجة حاضرة لا محال وبدل التبرير يأتيك بمائة...
اليوم تعود أوركسترا الحرب للعزف من جديد، تطرب من أحبها في السابق حد العشق، وتزعج من رفض اعتبارها ولو للحظة نشيد الانتماء لهكذا وطن.
على وقع العزف الشاذ لسنفونية البقاء، يكتب سيناريو الأحداث نفسه بنفسه. وأنا أعلم!
أعلم أن أخي سيقتل. وأن معتوهاً ما سيتحرش بوالدتي علناً دون حياء على أحد حواجز الفصل المناطقي.
وأعلم أيضاً أن مزاجية حرس المنطقة ستتحكم بتفاصيل حياتي، ستشتمني وتضربني وترميني وأوراقي على مفارق الطرقات، وستبول علي وتسخر.
أعلم يا صديقتي أنك ستبكين وجعي.. وستذهبين لنوم يتيم من عطف قبلة على رأسك الذي ستعتادين ضمه خوفاً من غزارة قصف أبناء قومي لأحيائكم في الجهة المقابلة لانتمائنا...
نعم هم أبناء قومي.. أولئك الذين ابتسمت لهم مراراً وأخبرتني كم تحبين العاطفة المخبأة خلف عيونهم..
أصدقاء الأمس باتوا أعداء اليوم.. والمائدة التي كانت تجمعهم تحولت لولائم عزاء..
العائلة التي كنت أملكها.. تمزقت هي الأخرى بين من قتل ومن فقد ومن بقي على قيد الحياة فخلع عنه رداء الوطن وهجر..
أما القليل المتبقي منهم، فإذا بحثت عنهم سوف تجدهم وقد أصابتهم حمى الثأر... فاتخذو من تلال السواتر وأبراج القناصة ومفارق المواجهات ميداناً لحياة فرضت عليهم ففرضوها على غيرهم... وهكذا دواليك!!
بين الوطن الممزق والمستقبل الحلم، من الصعب أن يكون لك مكان داخل تلك اللوحة التجريدية. فتعيش اليوم خوفاً من الغد بعدما أطلق عليه لقب المجهول. وترسم في مخيلتك ألف صورة قذرة لحرب أقذر.. خوفاً من اليوم الذي ستأتيك احدى الأمهات وتسألك كيف حال أولادك.. ولا تقوى ان تقول لها "بالخير والحمد لله"!