تلمح فيهم بريقاً ينبئ بأن في المكان نسائم طفولة عفوية لم نعهدها من قبل أبداً، تنذرك بسماتهم بأنك ستعيش لساعات إحساساً بأنك وهبت لنفسك أملاً وهبوه لأنفسهم سابقاً. تدخل إليهم فتتنشق من ذلك الهدوء المسيطر أريجاً من البراءة... تقنع نفسك لبرهة بصعوبة أن تجالسهم خوفاً من الشفقة أو الحزن على حالهم، فتكتشف بعدها وبسرعة أنهم ربما هم الذين قد شفقوا عليك وأنهم هم بالتأكيد قد أعطوك فرحاً غريب الطراز... قد وهبوك قوة يملكون منها الكثير... قوة يورثونها لعالم كبير كهذا!
المركز المقصود "جمعية العطاء للشفاء"، والمقر هو "مستشفى الرئيس الشهيد رفيق الحريري الحكومي"، والأشخاص الذين زرتهم هم أطفال عاشوا سنوات علّمتهم فيها الحياة أن يكونوا أقوياء، هم أطفال يعانون من مرض لطالما حاولنا تفادي ذكره. هم أطفال مصابون بمرض السرطان أعطيتهم من وقتي القليل علّي أضيف إلى قوتهم بعض الأمل.
يجتاح الهدوء المركز، وكأنّ الطفولة ما عادت طفولة! فمن عادة الأطفال ألاّ يملوا اللعب أبداً، ولكن طفولة المركز طفولة استثنائية، يعيشها المعنيّون بها داخل غرف غطاها البياض وعلى أسرّة تفوح منها رائحة المرض. يضعون كمامات تظنها حاجزاً يمنعك من التواصل معهم بشكل جيد علماً انها وضعت خوفاً منّا نحن الذين ندخل إليهم بكل ما نحمله من وساخة الدنيا التي نعيش فيها بالخارج، فتكون الكمامة أبسط ما بالامكان أن نحميهم به من أنفسنا!
عندما يرونك للوهلة الأولى، يرون ربما فيك ذلك العالم الذي أتيت منه، عالماً حرموا منه هم ليصنعوا لأنفسهم عالماً خاصاً داخل هذا المستشفى مع ممرضين وممرضات وهبوا لهم كامل وقتهم وعشقوا فيهم هذا الأمل الذي يقوى على المرض. تدخل بكل ما تحمله معك من ألعاب وألوان تلفتهم في البداية ويمسكونها وكأنها ذلك الصديق الذي بحثوا عنه طويلاً. يخجلون منك قليل،اً يشعرون بأنهم غريبون عنك، ولكن ما إن تحدثهم حتى تنبع منهم تلك الشقاوة التي خبأها المرض.
الغرفة التي قصدتها أولاً كانت غرفة من سريرين ومعدات المستشفى طبعاً، تقبع على كل سرير طفلة، الأولى "أنجي" التي لم يتعد عمرها ثلاثة سنوات، تتشبث أنجي بأمها التي لا تبارحها أبداً، تنظر إليّ بتعجب، أقترب منها أحدثها حتى أكتشف فيها براءة استثنائية. فتاة صغيرة سمراء أمسكت بالقلم وبدأت ترسم على ورقة من غير أن تأبه بما ترسمه، تلطخ السرير، ترسم على يديّ والدتها، وعلى ثيابي أيضاً.. وتطيل النظر إلى صديقتها المجاورة وهي "مروى" التي يظهر هدوءها بأنها تأقلمت مع مرضها. خسرت مروى، الطفلة ذات السنين الخمسة شعرها باكراً، وفقدت معه رمز أنوثتها هي التي كانت ربما تحلم أن يسرحه لها الأمير يوماً. تجيبك عن اسمها وعمرها بشجاعة فائقة، نعم هي قد فهمت ما تعاني منه، ولكن أعطت لنفسها فرصة أن تقوى وتستمر.
دقائق قليلة مع مروى لخّصت فيها قصة تُعلّم تحمل المسؤولية. تلفتها الألوان والرسومات داخل القصة فتمسك بها وتنظر بتمعن محاولة تفسير ما يوجد، حتى تضع القصة جانباً وتطالبني بأن ترسم وتلون كما فعلت انجي، نعم تغار الصديقات من بعضهن البعض، ولكن تساعدن بعضهن أيضاً، فالاثنتان تعاهدتا على أن تتحملا وتصبرا على مرضهما معاً. حتى نسيتا في الساعتين التي قضيتهما معهما ذلك الهمّ الكبير، ذلك المرض الخطير.
قامتا هما الاثنتان برسم لوحات كتب عليهما اسمي واسميهما. ما كان لدموعي إلاّ أن تنهمر من شدة الألم لفراقهما بعد أن فرحتا وابتسمتا لحضوري بينهما. تركتا لي بعض اللوحات لأتذكرهما وأخذتا الباقي لتضعانه قرب مخدتين تغفوان عليهما كل ليلة حالمتين بأن تستفيقا من همّ المرض. أودعهما، نلتقط بعض الصور وأغادر المركز حاملة معي بعض الذكريات.. ونسيماً من القوة.
في الزيارة التالية، دخلت غرفة "أحمد" ذلك الصبي الذي غدر به المرض منذ أيام. لم يكن أحمد قد تفهم بعد سبب وجوده في المستشفى، ملّ البياض الذي يغطيه، ملّ رائحة الممرضين ورائحة أدويته، كره الطعام الذي يقدم له والذي لا يتناول منه إلاّ قطعة من الخبز مع نصف كوب حليب. وفي النهاية يتكرر السؤال الذي يظهر هدوء هذا الطفل "لما أنا هنا؟ متى سأغادر هذا الجحيم؟".. والدة أحمد الذي بلغ منذ فترة سنينه التسعة تغدق عليه كل الاهتمام، تحاول بكل ما تملكه من قوة أن تشجعه وتقوّيه لربما يتغلب على مرضه قريباً لينتهي هذا العذاب كما تعبر بقولها "لقد مللنا الجلوس هنا برغم أنه لم نطرق باب هذا المستشفى الاّ منذ أيام، تعب أحمد، وتعبت من رؤيته يتألم..". رسالة من أم مجروحة إلى الله تطلب فيها أن يخلّص ولدها من عذابه ويخلّص كل مصاب من هذا الجحيم الدنيوي، وتقول "رحمة الله واسعة، وأملي بشفاء أحمد كبير".
لم يستجب معي أحمد بسهولة، حاولت جاهدة التكلم معه والتحدث إليه، جابهني أولاً بالرفض، حتى أنني لم أعرف اسمه أولاً إلاّ من والدته إذ رفض إخباري به، تعبت لإقناعه باللعب معي وشجعته بالقول له أن ينهي "البازل" الذي أحضرته معي في وقت قليل فيما جلست قبالته أحاول تركيب رسمة ولم أستطع إلاّ بعد جهد طويل. قبل أحمد التحدي وربحه منهياً لعبته ببسمة قدمها لي هدية لجهدي معه، نعم تغلب أحمد عليّ رغم فارق السن الكبير ورغم مرضه وتعبه.
غادرت غرفة أحمد مع بعض الصور كذكرى. وكانت محطتي الأخيرة غرفة "مريم" الأميرة الصغيرة ذات السنيتين التي استقبلتنا بتاج على رأسها وبعفوية غريبة، بحيث أنها كانت الأكثر استعداداً للعب، والأكثر شقاوة بين الجميع.
أطفال ملائكة غادرتهم حاملة معي عهداً بتكرار الزيارة، وعهداً بأن ننشر للعالم خوفهم من أن يخسروا وجودهم لأن القدر أراد ذلك. ولكن القدر أراد أيضاً أن يكونوا ملائكة صغار. وإن حرمهم المرض لذة وروعة أن يطيروا إلى السماء وينشروا براءتهم في العالم، كان الأمل داعماً في مسيرتهم!
Post new comment