"حمرا " Brand New
Madonna Khafaja
يعبق شارع الحمرا باختلافاته، له مزاجيّة خاصّة تتناغم أحياناً وتتنافر أحياناً أخرى. يتكلّم لغته الخاصة ويمارس طقوسه المعقّدة المبطنة منها، والمعلنة. تحمل الحمرا في زواياها أصوات أناس، منهم من لا يزال شاهداً على موت الذاكرة، ومنهم من غاب بعد أن حفر ظلّه على مقاعد لم تعد موجودة كانت تملأ ارصفة "كافيه دو باري" و"هورس شو" و"ويمبي" و"مودكا". لعبت الحمرا دوراً اساسياً في فترة الحرب الأهلية حيث لم تكن خطوط تماس لا بل مساحة للتلاقي.
غيّرت الحمرا ثوبها. هي الحمرا التي لطالما كانت سوقاً تجارياً مشهوراً وملتقى يعج بالمسارح، كمسرح البيكاديلي الذي قدمت فيه فيروز وصباح وزياد ودريد لحام وعادل إمام حفلات وعروض عدّة وعرضت فيه أهم الفرق المحلية والعالمية أعمالها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وكان هناك ما لا يقلّ عن 15 دار سينما كسينما إسترال وإتوال وستراند وإلدورادو.. إلاّ أن تراجع الثقافة وانتشار مفاهيم الريع والربح وغلبة منطق الاستثمار التجاري كلها عوامل ساهمت في الإطاحة برموز أساسية كانت تميّز هذا الشارع واستبدلتها برموز أخرى مختلفة، أكثر "حداثة" وأكثر إستجابة لمنطق المجتمع الاستهلاكي القائم في لبنان. لذلك أطيح بمسرح البيكاديلي وبدور السينما ومقاهي الرصيف لتحل محلها مطاعم الوجبات السريعة ومحلات بيع الملابس. هذا ما حلّ بمسرحيّة "نزل السرور" التي بني على أنقاض المسرح الذي عرضت عليه مطعم "زعتر وزيت". وبدلاً من أن تعرض سينما إلدورادو أهم الأفلام الهوليودية كما في السابق أصبحت تعرض الملابس وأدوات التجميل والأكسسوارات، هذا هو حال شارع الحمرا اليوم...
انتهى الزمن الجميل الذي كانت فيه حسابات أصحاب "هورس شو" لا تمنعهم من السماح بعرض عمل مسرحي منعت عرضه الدولة اللبنانيّة سنة 1961..
هكذا يرى "طارق" الحمرا التي تبدّلت بعد الحرب وما زالت في تغيّر مستمر. هو ما زال يتذكّر طعم الهامبرغر الذي كان يقدّمه مقهى "هورس شو" قبل أن يتابع نزهته سيراً على الأقدام إلى مقهى "مودكا" حيث كان يستمتع بالقهوة أثناء الدرس.
يعتبر طارق ان الحمرا فقدت مكانتها الثقافيّة والسياسيّة بعد أن خسرت الكثير من العناصر الأساسية التي ميّزتها في السابق، ومنها المقاهي ودور النشر والصحف، كما فقدت التعددية الاجتماعيّة حيث كانت محاطة بمناطق أرستقراطيّة وفقيرة في آنٍ واحد. وكانت تحوي مكاتب لأحزاب متعدّدة أيام الحرب الاهليّة.
"HELLO"... حمرا
جواباً منه عن سؤالي عن رأيه في الحمرا اليوم، يتذكّر طارق حادثة وقعت في الأسابيع الماضية عندما ذهب لطلب الطعام في أحد المطاعم الفاخرة في الحمرا حيث أنّ قائمة الطعام مكتوبة باللغة الانكليزيّة. وعندما سأل عن السبب أجاب الموظف بتهكّم "من في هذه الأيام لا يتكلّم الإنكليزيّة؟!!"
"هذه هي الحال في هذا الشارع: صخب وناس" بحسب علي صاحب ذكريات الطفولة في الحمرا. يقول علي "كنت أقف على شرفة البيت أراقب روّاد المقاهي ذوي الشعر الأشعث واللحية البيضاء "يجعدنون" و"يلوّحون" محتسين القهوة مع بعض الأصدقاء والزملاء، ويجرون نقاشات لساعات طويلة. لم يكن الناس يتكلّمون بأمورهم الشخصيّة فقط بل كانت النقاشات عامّة وتشمل الجميع". استفاض علي في المقارنة، فلاحظ ان أحاديث الناس قد تغيّرت وأصبحت خاصّة وابعتدت عن الشأن العام والمصلحة المشتركة. هو يرى اليوم أن مقاهي الحمرا مزدحمة بالزبائن الوحيدين برفقة كمبيوتراتهم الخاصة، عيونهم متسمّرة على شاشاتها لملاحقة تطوّرات عوالمهم الافتراضيّة. ويعتبر علي أنّ تجارب المقاهي الجديدة في الحمرا ومنها تلك ذات الطابع الثقافي، ليست سوى محاولة لإسترداد شيء ما من أدبيات الحمرا الآيلة إلى الإنقراض كالمقاهي الثقافيّة ذات التاريخ العريق.
النرجيلة ضيف جديد
النرجيلة هي ظاهرة جديدة أدخلت الى شارع الحمرا، وعلى الرغم من أن وجودها لا يزال محصورا في عدد قليل جدّاً من المقاهي، الا أنها تُعتبر من الدلائل على تغيّر الهوية الثقافية لهذا الشارع، وتحوّله إلى مركز تجاري سياحي فقط. ويضيف علي بأنّ معالم الشارع تتغيّر تدريجياً بما يناسب متطلّبات السوق والشباب، التي تغيرت تدريجياً مع دخول الأنترنت الى صلب الحياة اليومية والجامعية والتي أسست لطبيعة علاقات جديدة بين الشباب تتمحور حول التواصل عبر وسائل المحادثة الإلكترونية. وهذا انعكس على أجواء المقاهي وطبيعة التفاعل فيها، لتصبح الأماكن تشبه هؤلاء الناس من خلال اللغة ونوع الطعام والموسيقى والمظهر والديكور وغيرها.
متعددة ومختلفة هي الآراء حول واقع "الحمرا الجديدة". فهناك من يعتقد بوجود مخطط ما لنسف الذاكرة الحيّة وشلّ عمل الحركات الحزبيّة والنقابيّة وإفشال جلسات المفكّرين والكتّاب والشعراء. وهناك من يرحب بهذا "التطوّر" معتبراً إيّاه طبيعياً جدّاً نظراً الى أننا دولة استهلاكية أصلاً ، نتأثر بالدول المحيطة بنا وبالدول الغربيّة وبالتالي فهذا التغيير هو نتيجة لمواكبة التطوّر ومن دواعي العولمة.
Post new comment